الاخبار

أزمة الخبز في غزة.. الطفولة تُسحق في طوابير الجوع والموت

الطفلة حنان سلطان، 13 عاماً، تعيش ساعات من الإرهاق والخطر يومياً في طوابير الخبز دون جدوى وسط أزمة طاحنة في توفر الدقيق
ارتفع سعر كيس الدقيق إلى 332 دولاراً في ظل تضاعف أسعار المواد الغذائية وندرة المساعدات
الأمم المتحدة تحذر من مجاعة وشيكة في غزة، حيث يعاني الآلاف من الأطفال من سوء تغذية قاتل بسبب الحصار الإسرائيلي

ساعات طويلة قضتها الطفلة حنان سلطان أمام أحد المخابز في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة من أجل الحصول على بعض أرغفة الخبز والعودة بها لأسرتها في خيمة النزوح غرب المدينة.

ولكن الحظ لم يحالف حنان (13 عاماً) في الوصول إلى شباك المخبز بسبب الأعداد الهائلة من الناس التي كانت تنتظر دورها في الحصول على الخبز والتدافع أمام بوابة المخبز، لتعود الطفلة الفلسطينية إلى الخيمة دون أي رغيف لتعيش أسرتها يوماً آخر بدون طعام بسبب أزمة الدقيق في مناطق جنوب القطاع.

ولا يسمح الجيش الإسرائيلي منذ عدة أشهر بإدخال كميات كافية من الدقيق إلى قطاع غزة باستثناء بعض الشاحنات التي تدخل على فترات متباعدة وبعضها يتعرض للسرقة مع عصابات تبيعه بأسعار باهظة.

إرهاق وخطر وجوع

وتقول الطفلة حنان سلطان لـ”الخليج أونلاين”: “أمشي من منطقة المواصي برفقة بنات عمي إلى المخبز الموجود وسط مدينة خان يونس وهي مسافة تقدر بـ5 كيلو متر، وأقف يومياً في طابور طويل جداً، وفي كثير من الأحيان لا أنجح في الحصول على ربطة الخبز”.

وتضيف سلطان: “في أحد الأيام أصبت بحالة اختناق بسبب تدافع الناس الشديد، وابنة عمي هي التي اخرجتني من تحت أقدام الشباب والنساء الذين هاجموا المخبز من أجل الحصول على الخبز”.

والأسبوع الماضي، قتلت 3 سيدات فلسطينيات، بينهم طفلة، إثر تزاحم مجموعة كبيرة من سكان دير البلح وسط قطاع غزة أمام أحد المخابز.

ولا تترك عائلة سلطان أي طريقة من أجل الحصول على الخبز أو الدقيق لإطعام أبنائهم وسد جوعهم، فاستخدمت المعكرونة بعد طحنها، والشعير أيضا، وبعض الأعلاف الخاصة بالحيوانات.

إلى جانب عائلة سلطان، يكافح الشاب الفلسطيني محمد فروانة وهو رب أسرة لخمس أشخاص يومياً من أجل الحصول على بعض من الدقيق أو ربطة خبز من خلال الوقوف لساعات طويلة أمام أحد المخابز في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

ويقول فروانة لـ”الخليج أونلاين” : “أكثر من شهر ولا دقيق لدي العائلة، وننام مع أطفالي بدون عشاء أو تناول الخبز، ونحاول تعويض غيابه بشراء المعكرونة والأرز وندفع مبالغ باهظة للحصول على كيلو واحد منها”.

ويوضح أن كيس الدقيق الواحد (يزن 25 كيلوغرافم) ارتفع سعره في قطاع غزة إلى 332 دولار بدلاً من 15 دولار، ولا أحد يستطيع الشراء بهذا السعر.

انتشار للمجاعة

لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي بالأمم المتحدة، أطلقت إنذارا أعربت فيه عن قلقها إزاء “الاحتمال الوشيك والكبير لحدوث المجاعة، بسبب الوضع المتدهور بسرعة في قطاع غزة”.

وقال مدير تحليل الأمن الغذائي والتغذية لدى برنامج الأغذية العالمي جان مارتن باور، في تصريح له في نوفمبر الماضي: إن “هناك احتمالاً قوياً أن المجاعة تحدث أو أنها وشيكة نتيجة للنزوح على نطاق واسع، وانخفاض التدفقات التجارية والإنسانية إلى غزة، وتدمير البنية الأساسية والمرافق الصحية والوضع الصعب المتعلق بعمل وكالة الأونروا”.

وشدد على أن تصريحات لجنة المراجعة “نادرة جدا، لذا فإن هذا الأمر يستحق الاهتمام”.

وأوضح باور أن برنامج الأغذية العالمي شهد انخفاضاَ كبيراً في عدد الشاحنات التي تدخل غزة منذ أكتوبر الماضي، مشيراً إلى أن 58 شاحنة فقط تدخل يومياً، مقارنة بنحو 200 شاحنة خلال الصيف.

وبين أن انخفاض تدفقات المساعدات أدى إلى مضاعفة أسعار المواد الغذائية في شمال غزة خلال الأسابيع الماضية، وهي الآن “أعلى بنحو عشرة أضعاف مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع”.

وأضاف أن هذا الإنذار بمثابة تذكير بأن “أعين العالم يجب أن تكون على غزة، وأن التحرك مطلوب الآن”.

وشددت اللجنة على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات فورية – خلال أيام لا أسابيع – من قبل جميع الأطراف المشاركة بشكل مباشر في الصراع أو تلك التي تتمتع بنفوذ على سير الصراع، لمنع وقوع هذا الوضع الكارثي والتخفيف منه.

وكالة “أونروا” من جانبها أكدت أن مخازنها فارغة من مادة الدقيق، ولا تستطيع البدء بعمليات توزيع حتى لو كيس واحد على العوائل بشكل طارئ.

وأكد مصدر مسؤول في وكالة “الأونروا”، أن “إغلاق المعابر وهجمات قطاعي الطرق هو ما يمنع وصول المساعدات”، موضحا أنه “لا يوجد دقيق في المخازن يكفي لتوزيع كيس واحد لكل أسرة بشكل طارئ”.

سوء تغذية

في السياق نفسه، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الاثنين الماضي، إن الجيش الإسرائيلي ينسق مع عصابات محلية لسرقة المساعدات الشحيحة الواصلة إلى القطاع في ظل تفاقم المجاعة وارتفاع أعدد الأطفال المصابين بـ”سوء التغذية” إلى الآلاف.

وأضاف مدير عام المكتب الحكومي إسماعيل الثوابتة، في بيان صحفي، أن المجاعة المستفحلة في قطاع غزة خاصة في الشمال تسببت بوفاة العديد من الأشخاص، دون ذكر عدد محدد.

وأوضح في حديثه أن آلاف الأطفال في قطاع غزة أصيبوا بسوء تغذية جراء المجاعة، بينما يعاني 3500 طفل دون سن الخامسة بسبب منع دخول حليب الأطفال والحليب العلاجي.

وقال المسؤول الحكومي: “تدخل يوميا من 10 إلى 30 شاحنة فقط من المساعدات، والاحتلال يقوم بتصويرها والترويج للعالم وتضليل الرأي العام أنه يقوم بإدخال المساعدات، ثم من تحت الطاولة يقوم بالتنسيق مع فئات وعصابات خارجة عن القانون من أجل تسهيل سرقتها”.

وذكر أن الجيش الإسرائيلي “قتل منذ 7 أكتوبر 2023، نحو 706 من الشرطة ورجال تأمين المساعدات حيث نفذ بحقهم 141 استهدافا مباشرا”.

وأوضح أن عمليات سرقة “شاحنات البضائع والمساعدات المخصصة للتجار وللفلسطينيين من فئات وعصابات خارجة عن القانون، وتعمل جنوب قطاع غزة، تسيء للشعب الصامد وتضحياته كما تعمل على تأزيم ظروف الحياة للنازحين”.

واستفحلت المجاعة في معظم مناطق قطاع غزة جراء الحصار الإسرائيلي، لا سيما في الشمال إثر الإمعان في الإبادة والتجويع لإجبار المواطنين على النزوح جنوبا.

وحوّلت “إسرائيل” قطاع غزة إلى أكبر سجن بالعالم، إذ تحاصره للعام الـ18، وأجبرت حرب الإبادة نحو مليونين من مواطني القطاع، البالغ عددهم حوالي 2.3 مليون فلسطيني، على النزوح في أوضاع مأساوية مع شح شديد متعمد من الغذاء والماء والدواء.

وتواصل تل أبيب مجازرها التي خلفت أكثر من 150 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، متجاهلة مذكرتي اعتقال أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية، في 21 نوفمبر الماضي، بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت، بتهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى