نازحو غزة يعودون لديارهم.. “الخليج أونلاين” يرصد فرحة الصمود

لم تكن عودة النازحين مجرد استعادة للأرض والمنازل، بل كانت استعادة للكرامة والهوية
مع بزوغ شمس يوم الاثنين (27 يناير الجاري)، امتدت قوافل النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله، كالشرايين النابضة على طول طريق الرشيد الساحلي وشارع صلاح الدين، حيث اكتظت المركبات وحشود البشر، يحملون أحلام العودة الممزوجة بالحنين والدموع.
يعكس مشهد عودة مئات الآلاف من النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله قوة الفلسطيني وصموده أمام مؤامرات التهجير التي روج لها جيش الاحتلال الإسرائيلي طيلة فترة عدوانه على القطاع.
لم تكن عودة النازحين مجرد استعادة للأرض والمنازل، بل كانت استعادة للكرامة والهوية، وإثبات لفشل الاحتلال في تحقيق أبرز أهدافه من الحرب على غزة وهي تهجير سكان شمال القطاع إلى جنوبه.
في مقدمة الحشود، كان محمد بكر يسير بخطى واثقة نحو مدينة غزة، رغم الإرهاق الذي خلفته أشهر النزوح الطويلة.
بدا بكر وكأنه يحمل في خطواته قصص آلاف الفلسطينيين الذين تركوا ديارهم مجبرين بفعل العدوان، ليعودوا اليوم رافضين كل محاولات الاحتلال لاقتلاعهم.
يقول بكر في حديثه لـ”الخليج أونلاين”: “كنا نعيش كابوساً تحت الخيام، نحلم كل ليلة بالعودة إلى منازلنا، وعندما حان وقت العودة شعرت وكأنني أتنفس الحرية لأول مرة منذ شهور”.
لم يصدق بكر أنه سيعود إلى منزله في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة بعد التعنت الإسرائيلي الطويل وإصرار الاحتلال على عدم عودة النازحين إلى شمال القطاع خلال فترة العدوان.
إلى جانب بكر، كانت السيدة الخمسينية أم عمر راضي تمشي بخفة، وهي تحمل حقيبة صغيرة تحوي القليل مما تبقى من حياتها في خيام النزوح.
كانت عينا أم عمر تلمعان بالدموع، ليس حزناً، بل فرحاً وشعوراً بالانتصار بعد انتهاء حياة النزوح القاسية في الخيام.
تروي أم عمر لـ”الخليج أونلاين” قائلة: “لم أصدق أنني عدت إلى هذه الأرض التي حلمت بها طوال فترة النزوح، فهنا كل شيء يذكرني بطفولتي وشبابي، هنا جذوري وذكرياتي”.
تضيف: “لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية، كما قال الحاج التونسي حين أسقط نظام زين العابدين بعد سنوات طويلة، ونحن بعد سنة وثلاثة أشهر، تعبنا من أجل رؤية هذا اليوم”.
على طول الطريق الممتد مسافة 8 كيلومترات من غرب مخيم النصيرات إلى مدينة غزة، لم تسمح أم عمر لنفسها بالاستراحة حتى لا تضيع دقيقة واحدة من لحظة العودة، ورفضت التأخر عن رؤية منزلها حتى لو كان مدمراً.
هتافات وأهازيج
في منتصف طريق العودة، حمل أطفال أعلام فلسطين، وتبادلت النساء عبارات التهنئة والفرح، بينما كان الرجال يرددون الأهازيج الشعبية التي تحمل روح المقاومة والصمود.
وسط أجواء الفرحة، توقف البعض عند حاجز “نيتساريم”، الذي كان يوماً رمزاً للاحتلال، وتحول الآن إلى محطة للنصر.
منازل مدمرة
يقول محمد فروانة، العائد إلى منزله في مدينة غزة: “رجعنا إلى شمال قطاع غزة دون أن نرفع الراية البيضاء، أو نتعرض للتفتيش من جنود جيش الاحتلال، وعدنا مرفوعي الرأس وبكرامة”.
يوضح فروانة في حديثه لـ”الخليج أونلاين” أن العودة إلى شمال قطاع غزة أنهت أي صورة حاول الاحتلال ترويجها للعالم بأنه انتصر على الفلسطينيين وأذلهم.
عند الوصول إلى شمال القطاع، وجد كثيرون منازلهم قد طالها الدمار، ورغم ذلك، بدأ فروانة بإزالة الركام من منزله فوراً، معتبراً أن بناء المنزل من جديد أقل صعوبة من فقدان الأرض.
يضيف فروانة: “رغم كل ما حدث، أشعر بسعادة لا توصف، عودتنا إلى هذه الأرض هي أكبر انتصار لنا، فهذه الأرض ليست مجرد تراب، إنها حياتنا وهويتنا”.
انتهى يوم العودة تاركاً أثراً عميقاً في نفوس الغزيين الذين أوصلوا رسالة واضحة بأن الشعب الفلسطيني مستعد للتضحية من أجل الحفاظ على أرضه وهويته.
حركة “حماس”، التي قادت المقاومة والمفاوضات، وصفت عودة النازحين بأنها “انتصار لشعبنا، وإعلان فشل الاحتلال ومخططات التهجير”.
وأضافت الحركة: “عودة أهلنا النازحين إلى بيوتهم تؤكد فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه العدوانية”، مضيفة: “هذه المشاهد المُفعمة بفرح العودة وحبّ الأرض والتشبّث بها هي رسالة لكلّ المُراهنين على كسر إرادة شعبنا وتهجيره من أرضه”.
وأكدت “حماس” أن “عودة أهلنا النازحين إلى بيوتهم يُثبت مجدَّداً فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه العدوانية في تهجير شعبنا وكسر إرادة الصمود لديه، نقف مع شعبنا العظيم في هذه اللحظة التاريخية”.
وفي 19 يناير، أعلن وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في غزة، لتطوى بذلك صفحة 471 يوماً من الحرب الإسرائيلية التي أودت بحياة وإصابة أكثر من 160 ألف فلسطيني، وتركت دماراً هائلاً في البنية التحتية.