زيارة بن زايد إلى إيطاليا.. انطلاقة جديدة للشراكة الاقتصادية

إعلان الإمارات وإيطاليا باستثمار كبير ستقوم به أبوظبي، تأكيد على الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى شراكة استراتيجية
خطوة إماراتية جديدة مع إيطاليا ضمن مستهدفاتها لتنويع شراكاتها الإقليمية والدولية؛ في إطار سعي أبوظبي منذ أواخر عام 2019 إلى توجيه سياستها الخارجية نحو تصفير المشاكل وإقامة تحالفات متنوعة تستند على مزيج من المصالح التجارية والاقتصادية والأمنية.
هذه الخطة الأخيرة جاءت خلال زيارة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد أواخر فبراير 2025 إلى روما، في وقتٍ تسعى فيه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، منذ توليها منصبها في 2022، إلى تعزيز علاقات إيطاليا مع دول الخليج.
وجاء إعلان الإمارات وإيطاليا عن استثمار كبير ستقوم به أبوظبي، ليؤكد على الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى شراكة استراتيجية، وتعميق العلاقات الثنائية المتنامية بين البلدين.
اتفاقيات كبيرة
تخطط الإمارات لاستثمار 40 مليار دولار في إيطاليا، من دون تحديد إطار زمني لذلك، حسب ما أعلنت الدولتان بقمة ثنائية في روما خلال زيارة الرئيس الإماراتي إلى إيطاليا (25 فبراير) ولقائه ميلوني، وتعهدا بالعمل نحو “شراكة استراتيجية شاملة”.
وقالت الحكومتان في بيان مشترك: “في هذا السياق، أعلنت الإمارات عن التزامها باستثمار 40 مليار دولار في إيطاليا في قطاعات رئيسية”.
وأضاف البيان: “جرى توقيع ما مجموعه أكثر من 40 اتفاقية جديدة”، في مجالات تشمل التعاون الاقتصادي والاستثمار والدفاع والقطاع النووي والفضاء وشؤون التراث الثقافي، وإن لم تتوفر تفاصيل حول الشركات المشاركة.
وتعد هذه الزيارة الثالثة لرئيس الإمارات إلى إيطاليا منذ توليه مهام منصبه في 14 مايو 2022، فيما أجرت ميلوني أيضاً 3 زيارات للإمارات منذ توليها منصبها في أكتوبر 2022، أحدثها قبل نحو شهر.
وشهدت الزيارات الـ6 المتبادلة عقد 6 قمم ولقاءات بين بن زايد وميلوني، أولها كان في أبوظبي في مارس 2023، وتم خلالها إعلان البلدين الارتقاء بالعلاقات إلى شراكة استراتيجية.
الطاقة والتعاون العسكري
أبرز ما تضمنته الاتفاقيات هي في الطاقة والأمن والتكنولوجيا، حيث قالت شركة الطاقة الإيطالية “إيني” إنها وقعت خطاب نيات مع شركتي “إم.جي.إكس” و”جي42″ الإماراتيتين لتطوير مراكز البيانات في إيطاليا، مدعومة بالمحطات التي تعمل بالغاز الطبيعي والتي تستخدم تقنية احتجاز الكربون.
كما وقعت “إيني” اتفاقية مع شركة “مصدر” المملوكة للدولة الخليجية في الطاقة المتجددة، وشركة “طاقة ترانسميشن”، تمنحها صفة “المشتري المفضل” للطاقة المتجددة المنتجة في ألبانيا بموجب اتفاقية إيطالية إماراتية ألبانية أُعلن عنها في يناير.
وبالإضافة إلى ذلك، وقعت “إيني” مذكرة تفاهم مع شركة أبوظبي القابضة “إيه.دي.كيو” بهدف التعاون في سلسلة توريد معادن مهمة.
وأشار البيان المشترك إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني من خلال “الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير مرافق التصنيع الدفاعي”، وتدريبات مشتركة تتعلق بالأمن الإلكتروني والحاجة إلى تعاون أوثق بشأن تهديدات برامج الفدية، بما في ذلك التعاون مع شركاء عالميين مثل الولايات المتحدة.
ويأتي تعزيز العلاقات في الجانب العسكري والأمني، بعدما كانت علاقات البلدين قد تأزمت أواخر عام 2020، حين ألغت الحكومة الإيطالية السابقة صفقات تصدير أسلحة إلى الإمارات؛ بسبب حظر بيعها إلى الدول التي تتهما بـ”انتهاك حقوق الإنسان”.
وكان من أبرز ما شهدته أزمة البلدين حينها، قرار الإمارات بحلول 28 يونيو 2021، طرد القوات الإيطالية، وطلبت من روما سحب جنودها وطائراتها من قاعدة المنهاد الجوية في دبي، فيما أكدت حكومة روما أن المفاوضات جارية لحل الأمر.
لكن الأزمة بدأت بالانفراج منذ أغسطس 2021، عندما وافقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الإيطالي على إلغاء حظر تصدير الأسلحة إلى الإمارات، وبدأت العلاقات تعود ببطؤ.
علاقات متميزة
ويقول الكاتب وائل نعيم في مقال له بصحيفة “البيان” الإماراتية، إن أبوظبي وروما ترتبطان “بعلاقات متميزة ومتينة تمتد لعدة عقود، تغطي مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية”.
ويشير إلى أن تلك العلاقات “تستند إلى التعاون المشترك والمصالح المتبادلة بين البلدين، ما يعزز الروابط الثنائية ويدفعها نحو مزيد من النمو والتطور، وتقوم هذه العلاقات على أسس متينة من الرؤى والمصالح المشتركة بين البلدين”.
وأضاف الكاتب: “تعد إيطاليا من الشركاء التجاريين الرئيسيين لدولة الإمارات في أوروبا، حيث يشهد التبادل التجاري بين البلدين نمواً مستمراً. وتتركز العلاقات الاقتصادية في مجالات مثل الطاقة، والبنية التحتية، والصناعات التحويلية، والابتكار، مع تسجيل زيادة ملحوظة في حجم التجارة غير النفطية بين البلدين”.
وتحدث الكاتب عن التعاون في مجالات الاستدامة والاقتصاد الأخضر، قائلاً: “يعد قطاع الطاقة من أبرز مجالات التعاون بين الإمارات وإيطاليا، حيث تعمل الشركات الإيطالية مع نظيراتها الإماراتية في مشاريع الطاقة المتجددة والنفط والغاز، ويعكس ذلك التزام الدولتين بالتنمية المستدامة”.
ويختتم الكاتب قائلاً: “تتيح الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وإيطاليا فرصة توحيد الجهود لتوسيع وتعميق التعاون في المجالات ذات الأولوية المشتركة، مثل العلاقات السياسية والدبلوماسية والدولية، والتعاون الاقتصادي والتجاري، إضافة إلى مجالات حيوية أخرى مثل الرعاية الصحية، والطاقة المتجددة، والتعليم، والثقافة”.
فرص مميزة
أما صحيفة “الاتحاد” الإماراتية، فتقول في تقرير لها، إن البلدين تجمعهما “شراكة استراتيجية عميقة تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة”.
وتؤكد أن هذه العلاقات القائمة على رؤية مشتركة “تتيح للبلدين فرصاً مميزة للتعاون في مجالات حيوية، مثل الطاقة المتجددة، والاستثمار، والتكنولوجيا المتقدمة”.
وتشير إلى أن التبادل المستمر للفرص والمبادرات المشتركة، بما في ذلك في مؤتمر “كوب 28” ومشروعات الاستدامة، تمثل “خطوة حاسمة نحو تعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين”.
ولفتت إلى أن الإمارات وإيطاليا “تلتزمان بتوسيع شراكاتهما لتحقيق ازدهار اقتصادي مشترك، وتحقيق مزيد من التقدم في مجالات عدة، لضمان مستقبل مستدام ومزدهر للمنطقة والعالم”.
شراكة استراتيجية
تعد إيطاليا من الشركاء التجاريين الرئيسيين للإمارات في أوروبا، حيث يشهد التبادل التجاري بين البلدين نمواً مستمراً، وتتركز العلاقات الاقتصادية في مجالات مثل الطاقة، والبنية التحتية، والصناعات التحويلية، والابتكار.
وتحتضن الإمارات نحو 600 من الشركات الإيطالية التي تعمل في قطاعات متعددة، مثل الأزياء، والمجوهرات، والأغذية، والتكنولوجيا، كما تسهم الاستثمارات الإماراتية في إيطاليا في تعزيز التعاون الاقتصادي، وخاصة في مجالات العقارات، والسياحة، والقطاع المالي.
ووصل حجم التجارة غير النفطية بين البلدين إلى 14.1 مليار دولار خلال عام 2024 بزيادة 21.2% مقارنة بعام 2023، كما ارتفعت قيمة الصادرات الإيطالية إلى الإمارات إلى 6.6 مليارات يورو، ما يعكس عمق الشراكة الاقتصادية الثنائية.
كما تعد الإمارات سوقاً رئيسياً للصادرات الغذائية الإيطالية، حيث سجلت نمواً بنسبة 6% خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024، ليصل إجمالي قيمتها إلى 344 مليون يورو.
ويعتبر قطاع الطاقة من أبرز مجالات التعاون بين الإمارات وإيطاليا، حيث تعمل الشركات الإيطالية مع نظيراتها الإماراتية في مشاريع الطاقة المتجددة والنفط والغاز.