مشاعر مختلطة في غزة.. فرحة بالنجاة وقلق من القادم

لم تكن فرحة الغزيين كاملة؛ فالآلاف فقدوا أحبابهم، ودمرت منازلهم، وبُترت أطرافهم، وهؤلاء غابت عنهم مظاهر الفرح، ووجدوا أنفسهم أمام واقع مرير ومستقبل مجهول.
مع إعلان وقف الحرب من العاصمة القطرية الدوحة، شهدت شوارع غزة مشاهد متباينة، حيث خرج العديد من السكان للاحتفال بنهاية أسوأ أيام حياتهم في الشوارع وسط ترقب لما ستؤول إليه الأيام القادمة.
تنفس أهل غزة الصعداء بعد 15 شهراً من القصف العنيف الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وأدى إلى الدمار والجوع والبرد والخوف.
كما تعالت أصوات التكبير والزغاريد، ما يعكس رغبة الناس العميقة في الحياة والأمل والتمتع بأي لحظة من الهدوء.
ومساء (الأربعاء 15 يناير) أعلن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في مؤتمر صحفي بالدوحة، نجاح الوسطاء في التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى والعودة إلى الهدوء المستدام، وصولاً إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة، على أن يبدأ تنفيذ الاتفاق يوم الأحد المقبل.
فرحة منقوصة
لم تكن فرحة الغزيين كاملة؛ فالآلاف فقدوا أحبابهم، ودمرت منازلهم، وبُترت أطرافهم، وهؤلاء غابت عنهم مظاهر الفرح، ووجدوا أنفسهم أمام واقع مرير ومستقبل مجهول.
عند مجمع ناصر جنوب قطاع غزة، انفجرت الفتاة أمل المصري بالبكاء بمجرد إعلان رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وقف إطلاق النار، وخرجت إلى الشارع رافعة العلم الفلسطيني.
قالت المصري لـ”الخليج أونلاين”: “هذه اللحظات كنا ننتظرها ونعد الوقت بالدقيقة والثانية من أجل الوصول إليها، وإنهاء شهور الحرب الطويلة التي قُتل الاحتلال فيها أخي، واعتُقل والدي، ودُمّر منزلنا في بيت حانون شمال قطاع غزة، وشُرّدنا لنعيش في الخيام”.
وأضافت: “الأيام الأخيرة التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار كانت الأصعب، مع توارد الأخبار عن قرب انتهاء الحرب، وفشل جهود الوساطة، وصولاً إلى الإعلان”.
اشتاقت المصري إلى منزلها في بيت حانون وإلى جيرانها والحي الذي عاشت فيه طفولتها، مؤكدة أن أول ما ستفعله هو احتضان ما تبقى من جدران منزلها وأشجار الحديقة.
وفي وسط الاحتفالات، تعالت أصوات الفرح من الطفلة نور دردونة، التي رددت عبارات عن العودة إلى مكان سكنها في جباليا شمال قطاع غزة، وممارسة حياتها الطبيعية، والذهاب إلى مدرستها برفقة زميلتيها.
قالت دردونة (14 عاماً) لـ”الخليج أونلاين”: “لم أكن أتصور أن أصل لهذه اللحظة وأنا على قيد الحياة، وأشاهد إعلان وقف إطلاق النار في غزة، بعد فقداني أقارب استُشهدوا خلال أيام الحرب، منهم بنات عمي وزميلاتي في المدرسة”.
عاشت دردونة حياة النزوح، والجوع، والبرد، والخوف خلال شهور الحرب الطويلة، إذ نزحت من جباليا في أكتوبر 2023 إلى رفح أقصى جنوب القطاع، ونامت في الخيام، قبل أن تُجبر على النزوح مجدداً داخل المدينة، ثم الهروب إلى خان يونس بعد تصعيد الهجوم في مايو الماضي.
حزن الفقدان
على النقيض من أمل المصري ونور دردونة، لم يستطع محمد أبو معمر (50 عاماً) إظهار أي ملامح للفرح بعد سماعه إعلان وقف إطلاق النار، بسبب فقدانه أربعة من أبنائه في قصف إسرائيلي لمنزلهم.
قال أبو معمر: “عند سماعي إعلان وقف إطلاق النار، دخلت في نوبة بكاء، وتذكرت على الفور أبنائي الأربعة الذين قضوا شهداء، وكيف قتلهم صاروخ إسرائيلي. لم أجد وقتاً للبكاء عليهم بسبب وحشية الحرب وتزايد الموت من حولنا”.
ذهب أبو معمر بعد اللحظات الأولى من إعلان وقف إطلاق النار إلى قبر أبنائه الأربعة، رغم خطورة المكان، مُصرّاً على توديعهم والحزن عليهم.
كما لم تكتمل الفرحة لدى كثير من العائلات التي فقدت منازلها واضطرت للعيش في الخيام وأماكن النزوح كالمدارس وساحات المستشفيات وملاعب كرة القدم.
إذ لدى أصحاب البيوت المدمرة الكثير من التساؤلات حول بدء موعد إعادة الإعمار، وأين سيعيشون خلال الأيام المقبلة.
وعبر محمود عمران، أحد أصحاب المنازل المدمرة في خان يونس، عن خوفه من تأخر عملية الإعمار وقال: “أخشى أن يطول الانتظار، خاصة مع إزالة ركام منزلي ومنازل جيراني، وأتساءل كم من الوقت سيستغرق ذلك”.
يقول عمران لـ”الخليج أونلاين”: “قصف منزلي ولا يوجد أي شيء أعيش فيه الآن، ولا أعرف متى ستبدا الطواقم الفنية بإزالة الركام، وبدء الإعمار، وبناء المنزل من جديد، والعودة لحياتنا الطبيعية”.
يضيف عمران: “خلال الحروب السابقة مع قطاع غزة دمر الاحتلال منازل، وحتى الآن لم يتم إعمارها، وأخشى أن نحتاج لسنوات طويلة من أجل العيش داخل منزل”.