قانون الاقتراض العام.. أداة كويتية لمواجهة العجز وتمويل المستقبل

– قانون تنظيم الاقتراض العام يعزز مرونة الكويت المالية ويدعم تمويل المشاريع التنموية
– القانون يحسن التصنيف الائتماني للكويت ويتيح الاقتراض بشروط تنافسية
تواجه دولة الكويت تحديات مالية واقتصادية متزايدة في ظل تراجع الإيرادات وارتفاع العجز المالي، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في سياسات الاقتراض وإدارة الدين العام.
ومع اتجاه الكويت نحو أسواق الدَين العالمية، يأتي قانون تنظيم الاقتراض العام ليضع إطاراً تشريعياً يحدد أسس الاقتراض، وسط تساؤلات حول تأثير هذه الخطوة على الاقتصاد المحلي، ومدى قدرتها على دعم التنمية المستدامة دون المساس بالاحتياطات السيادية.
تنظيم الاقتراض العام
ويهدف إصدار مجلس الوزراء الكويتي قانون التمويل والسيولة، إلى وضع سقف للدين العام يبلغ 30 مليار دينار كويتي (حوالي 97.5 مليار دولار) كحد أقصى، أو ما يعادله من العملات الأجنبية الرئيسية القابلة للتحويل.
ويتيح القانون الجديد إمكانية إصدار أدوات مالية بآجال استحقاق تصل إلى 50 عاماً، مع فترة سريان تمتد لنفس المدة، ما يشكل إطاراً قانونياً طويل الأجل لتنظيم الاقتراض العام وضمان استدامة المالية العامة للدولة.
ونقلت صحيفة القبس الكويتية في 26 مارس الماضي، عن وزيرة المالية وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار، المهندسة نورة سليمان الفصام، تأكيدها بأن هذا القانون يعزز مرونة الكويت المالية عبر إتاحة خيار اللجوء إلى الأسواق المالية المحلية والعالمية لتحسين إدارة السيولة.
وشددت الوزيرة على أن هذه الخطوة تعكس نهجاً استراتيجياً يواكب التطورات الاقتصادية العالمية، ويسهم في دعم الاستقرار المالي، ويدفع عجلة التنمية بما يتماشى مع رؤية الكويت 2035.
من جانبه، أوضح مدير إدارة الدين العام في وزارة المالية، فيصل فهد المزيني، أن المرسوم بقانون يهدف إلى توفير أدوات مالية متنوعة تتيح للدولة خيارات أوسع لإدارة الدين والسيولة.
وأشار إلى أن القانون يسهم في تطوير أسواق المال المحلية عبر إنشاء منحنى عائد سيادي مرجعي، ما يعزز من جاذبية السوق المالية الكويتية، ويدعم إصدارات القطاع المصرفي والشركات المحلية، ويساعد على تقليل تكلفة الاقتراض.
ومن المرجّح أن يساهم القانون في تمكين الدولة من تمويل مشاريع البنية التحتية والمبادرات الاستراتيجية الكبرى، ما يعزز النمو الاقتصادي، فضلاً عن تحفيز الاقتصاد المحلي من خلال تنشيط الدورة الاقتصادية، وزيادة ثقة المستثمرين، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.
كما يساعد القانون في رفع التصنيف الائتماني السيادي للبلاد، ما يعزز قدرة الكويت على الاقتراض بشروط تنافسية، مع الحفاظ على سيولة الاحتياطيات السيادية، ما يضمن الاستقرار المالي للدولة، ويعزز قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.
نجاح وتحديات
ويؤكد الكاتب والمحلل الاقتصادي سعيد خليل العبسي، بأن الكويت نجحت بعد نحو ثماني سنوات من صدور قانون تنظيم الاقتراض، في رفع حجم الاقتراض المسموح به إلى ثلاثة أضعاف من الحجم السابق.
ويوضح لـ”الخليج أونلاين” أن هذا القانون يجيز للحكومة الاقتراض عند الضرورة لتلبية متطلباتها وتحقيق الأهداف المنشودة من الاقتراض العام، وذلك باتخاذ الإجراءات القانونية المتوافقة مع القانون.
ويضيف العبسي أن الكويت، كغيرها من دول العالم، تسعى للاستدانة لأسباب متعددة، أبرزها تمويل العجز في الميزانية العامة المتوقع، وتمويل المشاريع التنموية الضخمة في قطاعات البنية التحتية والتعليم والصحة، بالإضافة إلى مواجهة الأزمات الاقتصادية الطارئة والكوارث الطبيعية والحروب، وتحفيز الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق الحكومي في فترات الركود.
إلا أن العبسي لفت إلى وجود تحديات وأعباء مصاحبة للاستدانة، تتضمن عبء الفوائد والسداد عند استحقاق القروض، مما يمثل التزامات مالية مستقبلية قد تضغط على الميزانية العامة في حال ارتفاع الدين بشكل كبير.
ويبين أن الديون وفوائدها قد تستدعي تقليص الإنفاق على الخدمات العامة ورفع الضرائب، مما يؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي ويقلل الثقة الاقتصادية في قدرة الدولة على السداد.
وفي الختام، ينوه العبسي إلى أنه على الرغم من التحديات، لا تزال الكويت من أقل الدول استدانة، ولا تعاني من دين عام كبير مقارنة بغيرها، إلا أنها واجهت تحديات في تمويل الميزانية مؤخراً وعانت من عجز متزايد نسبياً في السنوات الأخيرة بسبب انخفاض أسعار النفط، الذي لا يزال المصدر الأول لإيرادات الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن الكويت، بالرغم من العجوزات في الموازنة، تمتلك صندوق الأجيال القادمة وصندوق الاحتياطي العام، اللذين يعتبران من أكبر الصناديق السيادية في العالم.
مرونة مالية كبيرة
ويشكل قانون تنظيم الاقتراض العام خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار المالي في الكويت، إذ يتيح للحكومة أدوات مالية جديدة تساهم في تحسين إدارة الدين العام ودعم المشاريع التنموية.
ويعكس القانون توجه الدولة نحو تحقيق توازن بين التمويل والاستدامة المالية، بما يعزز من قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية.
وحول ذلك يؤكد نائب رئيس إدارة البحوث في “كامكو إنفست”، رائد دياب، أن القانون لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً نظراً للحاجة الملحة له في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.
وأوضح دياب في حديثه للـ”العربية Business”، في 27 مارس الماضي، أن العودة إلى أسواق الدين ستمنح الكويت مرونة كبيرة في تمويل احتياجاتها، وتعزز السيولة المتاحة لدعم المشاريع الحيوية وجهود التنمية المستدامة.
وأشار دياب إلى أن القانون سيساهم في تحسين التصنيف الائتماني للبلاد، مما ينعكس إيجابياً على قدرة الكويت في الحصول على التمويل بشروط أكثر تنافسية.
وأضاف أن تنظيم الاقتراض العام سيعمل كبديل فعال عن السحب من الاحتياطي العام، ما يساعد في الحفاظ على الاستقرار المالي للدولة على المدى الطويل.
كما توقع دياب أن يكون لقانون الرهن العقاري تأثير إيجابي على البنوك الكويتية، حيث سيوفر لها فرصاً جديدة للنمو وزيادة عمليات التمويل، ما يدعم القطاع المصرفي ويعزز النشاط الاقتصادي في البلاد.
مواجهة التحديات المالية
وتواجه الكويت تحديات مالية متزايدة مع توقعات بارتفاع عجز الموازنة للسنة المالية المقبلة، التي بدأت في الأول من أبريل الجاري، إلى نحو 6.4 مليار دينار كويتي (حوالي 20.4 مليار دولار)، ويعود هذا الارتفاع إلى انخفاض الإيرادات، ما يزيد من الضغوط على الميزانية العامة للدولة. وفق صحيفة اقتصاد الشرق مع بلومبرغ.
وتُعد الكويت واحدة من أكبر مصدري النفط في العالم، وتمتلك صندوقاً سيادياً تُقدّر قيمته بنحو تريليون دولار، ما يوفر لها قاعدة مالية قوية.
وعلى الرغم من ذلك، لم تلجأ الكويت إلى إصدار ديون جديدة منذ مارس 2017، عندما طرحت سندات بقيمة 8 مليارات دولار لآجال خمس وعشر سنوات، قبل انتهاء صلاحية قانون الدين العام السابق.
وفي ظل هذه المعطيات، يأتي قانون تنظيم الاقتراض العام كخطوة استراتيجية لمعالجة العجز المالي وتعزيز قدرة الدولة على تمويل التزاماتها من خلال أدوات دين جديدة، مما يساهم في استدامة المالية العامة وتحقيق التوازن بين الإنفاق الحكومي والإيرادات.