المعارضة السورية في حلب وحماة.. ما السيناريوهات المرتقبة؟

متى سيطرت المعارضة السورية على حلب؟
في 29 نوفمبر 2024.
كم مسافة تغطيها المناطق التي سيطرت عليها المعارضة؟
550 كيلومتراً مربعاً.
شهدت الساحة السورية خلال الأيام القليلة الماضية تحرّكات عسكرية كبيرة، ضمن عملية “ردع العدوان” التي أطلقتها فصائل المعارضة خاصة في المناطق الشمالية والغربية.
وتصدّرت مدينة حلب، التي كانت محوراً للصراع بين المعارضة السورية والنظام، واجهة الأحداث مع إعلان الفصائل المسلحة عن سيطرتها على المدينة الاستراتيجية، فيما توغلت إلى وسط حماة، مع استمرار القتال فيها.
في عمق حلب
ومع تسارع التطورات الميدانية، أعلنت فصائل المعارضة السورية المسلحة، في 30 نوفمبر عن بسط سيطرتها على مطار حلب الدولي، وذلك بعد ساعات قليلة سيطرتها على كامل المدينة، إثر تقدمها اللافت الذي شمل الكلية العسكرية وكلية المدفعية بحي الزهراء، بالإضافة إلى بسط نفوذها على ريف حلب الغربي بالكامل.
كما أعلنت المعارضة دخول مقاتليها أحياء مدينة حلب بعد كسر الخطوط الدفاعية لقوات النظام في محاور الحمدانية وحلب الجديدة والزهراء، مع تحقيق اختراقات كبيرة أبرزها السيطرة على مركز البحوث العلمية.
بدوره، أوضح المتحدث باسم المعارضة، المقدم حسن عبد الغني، أن السيطرة على ريف حلب الغربي جاءت بعد 36 ساعة من القتال المكثف.
ومساء 30 نوفمبر، أعلنت فصائل المعارضة، أن قواتها وصلت إلى وسط مدينة حماة، بعد انسحاب قوات النظام من داخلها، باتجاه محافظة حمص، وهو نفاه النظام لاحقاً.
وفي إدلب، سيطرت المعارضة على مدينة سراقب، وهي عقدة مواصلات تربط طريق “إم 4” بين حلب واللاذقية، وطريق “إم 5” الرابط بين حلب ودمشق.
وأفادت التقارير بانسحاب قوات النظام بعد تكبدها خسائر فادحة، حيث تمكنت المعارضة خلال يومين من السيطرة على 12 نقطة و14 قرية، لتصبح سيطرتها الإجمالية 70 نقطة وقرية في ريفي حلب وإدلب بمساحة تتجاوز 550 كيلومتراً مربعاً.
وفيما يتعلق بحصيلة القتلى، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن المعارك في حلب أسفرت عن مقتل 287 شخصاً، بينهم مدنيون.
بالمقابل، شن الطيران الروسي والنظام السوري عشرات الغارات الجوية على إدلب وحلب وريفها، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين ودمار في البنية التحتية، فيما بدا انتقاماً من المعارضة بعد تقدمها.
وذكرت وزارة الدفاع الروسية أنها قضت على ما لا يقل عن 200 مقاتل خلال هذه العمليات، فيما تتزامن هذه التطورات مع دعوات من الكرملين وطهران للحكومة السورية لاستعادة السيطرة على المناطق التي وصفتها بأنها خارجة عن النظام الدستوري.
دخول المعارضة السورية إلى عمق حلب وسيطرتها على مساحات واسعة في محافظة حماة يعكس تحولات استراتيجية تستند إلى مستجدات إقليمية ودولية، ما يثير التساؤلات حول السيناريوهات المرتقبة لهذه العمليات ومدى تأثيرها على التوازنات العسكرية والسياسية.
عوامل وأسباب
ويقول الباحث السياسي سعد الخطيب، إن الأوضاع في مدينة حلب تسير بوتيرة متسارعة جداً، لافتاً إلى أن “التحدي الآن هو حماية تلك الانتصارات والمكتسبات التي حققتها المعارضة”.
ويضيف لـ”الخليج أونلاين” أن الإعداد الجيد والتجهيز لهذه المعركة والانضباط الملاحظ بين أفراد الفصائل كلها عوامل سرعت وتيرة الانتصارات المتتالية، إضافة إلى انهيار وحدات النظام العسكرية بشكل سريع وكبير أدى إلى سرعة السيطرة على حلب ومدن أخرى.
ويرى الخطيب أن هذه التطورات منسجمة ومتوافقة مع المتغيرات الدولية التي طرأت في الآونة الأخيرة، وأهمها مع وضع إيران وأذرعها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ومساعي دولية لإنهاء دورها في المنطقة، وأيضاً مع روسيا التي تغرق في حربها مع أوكرانيا وإخفاقاتها التي ستنعكس على دورها في سوريا.
ويبين أن “اختيار حلب لتحريها من سيطرة الأسد يعود لأهميتها الجغرافية والثورية وتمركز مليشيات إيرانية فيها بشكل كبير، وأيضاً نسبة المهجرين الكبيرة من أهالي حلب ورغبتهم في العودة إلى ديارهم، فضلاً عن ضغط الحاضنة الشعبية على الفصائل الثورية”، حسب الخطيب.
تداعيات وسيناريوهات
تبدو السيناريوهات المقبلة متعددة ومعقدة، فبينما تسعى المعارضة إلى تعزيز مكاسبها على الأرض، يبقى السؤال حول مدى قدرتها على الصمود أمام التحديات العسكرية والسياسية في مواجهة النظام وحلفائه الإقليميين والدوليين، وسط استمرار القصف الروسي العنيف.
بدوره، قال الخبير العسكري بمعهد الخدمات المتحدة الملكي لدراسات الدفاع والأمن “اتش أي هيلر”، بمقابلة مع “CNN”، حول خطط المعارضة: “أعتقد أنهم واضحون جداً، إنهم لا يعتزمون التوقف ببساطة عند ما وصلوا إليه حتى الآن، الأمر لا يتعلق فقط بالسيطرة على الأراضي التي سيطروا عليها في الأيام القليلة الماضية”.
وأضاف أن “الأمر سيكون حول التوسع والتوسع أكثر، بطبيعة الحال، سيحاول نظام بشار الأسد السوري إعادة تجميع صفوفه، لكن، القوة القتالية للجيش السوري ليست الأفضل، ولم يعد بإمكانهم الاعتماد على حزب الله، ولا بالقدر نفسه الاعتماد على النظام الإيراني، من أجل تعزيز قواتهم”.
وتابع: “أعتقد أنها الحظة المناسبة التي حركّتهم (فصائل المعارضة)، وأعتقد أنك سترى الكثير من الناس متحفظين للغاية بشأن توقعاتهم من الآن فصاعداً لأنه في الواقع، لا أعتقد أن أي شخص يعرف إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا الأمر”.
وبدخولها مدينة حلب، لا يقتصر تأثير فصائل المعارضة السورية المسلحة على تغيير خرائط السيطرة الميدانية، بل تمتد تداعياته إلى إعادة تشكيل المشهد السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفق آراء الخبراء.
ويرى مدير وحدة تحليل السياسات في مركز “حرمون” للدراسات المعاصرة، سمير العبد الله، أن استعادة المعارضة لمدينة بحجم وأهمية حلب يمثل “انتصاراً استراتيجياً على الصعد العسكرية والسياسية والمعنوية”.
ويشير خلال حديثه لموقع “الحرة”، إلى أن السيطرة السريعة والسهلة على المدينة، مع انهيار قوات النظام وفرارها، يشكل عاملاً حاسماً قد يعيد ترتيب مسار الأحداث في سوريا.
سياسياً، يُرجّح العبد الله أن هذا التطور يعيد تسليط الضوء على القضية السورية، ويمنح المعارضة والدول المؤيدة لها قوة إضافية في أي مفاوضات قادمة، ما يفتح المجال لتحقيق مكاسب سياسية جديدة.
أما عسكرياً، يشدد الباحث على أهمية أن تواصل الفصائل تقدمها نحو المواقع الاستراتيجية المتبقية، مثل مطار حلب ومطار كويرس ومعامل الدفاع، لضمان استقرار سيطرتها على المنطقة، محذراً من أن بقاء هذه المواقع بيد النظام قد يسمح له باللجوء مجدداً إلى القصف العشوائي ضد المدنيين، كما حدث في السابق.
ويعتقد العبد الله أنه “لتحقيق أقصى استفادة من السيطرة على حلب، يتعين على المعارضة مواصلة تقدمها والسيطرة على كافة المواقع العسكرية، وصولاً إلى مدينة الطبقة، لضمان عدم قدرة النظام على استعادة قوته”.
ويرى الباحث أن هذا الانتصار يمثل فرصة كبيرة لتركيا لتوسيع المنطقة الآمنة لتشمل كامل محافظة حلب، مما قد يسهم في عودة أكثر من مليون لاجئ سوري إلى وطنهم ويعزز الاستقرار على المستويين المحلي والإقليمي، مؤكداً أن ما يحدث في حلب يُعد نقطة تحول رئيسية.
من جانبه، يشير الباحث السوري في مركز “جسور للدراسات”، عبد الوهاب عاصي، إلى أن السيطرة على حلب توفر فرصة لفصائل المعارضة للانتقال إلى جيش نظامي حقيقي، مع إنشاء وزارة دفاع فعلية.
ويؤكد عاصي في حديثه لموقع “الحرة”، بأن السيطرة على المطار العسكري وطرد مليشيات إيران من معامل الدفاع في المنطقة سيمنح المعارضة السيطرة على أهم المنشآت العسكرية في سوريا، ما يشكل تحولاً استراتيجياً كبيراً.
ولفت الباحث إلى أن سيناريو السيطرة على حلب كاملة والتثبيت فيها “سيعود على المعارضة بالكثير من المكاسب، وقد تتحول هذه المدينة إلى عاصمة سياسية واقتصادية لها في آن واحد”.