القراءة في الخليج.. أزمة شغف رغم وفرة التعليم

هيمنة الشاشات والإيقاع الرقمي السريع يأسر انتباه الشباب ويبعدهم عن القراءة الطوعية
رغم ما حققته دول الخليج من قفزات نوعية في قطاع التعليم خلال العقود الماضية، وتزايد أعداد الجامعيين وحَمَلة الشهادات العليا، لكن عادة القراءة الحرة ما تزال تعاني من تراجع ملحوظ، لا سيما في أوساط الشباب.
ورغم أن المؤشرات التعليمية في دول الخليج تُظهر تقدماً لافتاً، لكن الكتاب بات يغيب عن تفاصيل الحياة اليومية، ليقتصر حضوره على المناهج الدراسية أو الفعاليات الثقافية الموسمية.
وتشير التقارير إلى أن معدّل القراءة الطوعية لدى الشباب لا يتجاوز بضع دقائق يومياً، مقابل ساعات طويلة يقضونها على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي.
هذه المفارقة دفعت الكثير من المختصين إلى التأكيد أن أزمة القراءة ليست نتاج ضعف تعليمي، بل نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية متشابكة.
في مواجهة هذا الواقع، تحاول الحكومات الخليجية، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية، إعادة الاعتبار للكتاب.
فقد أطلقت الإمارات “تحدي القراءة العربي” الذي أصبح حدثاً سنوياً واسع التأثير.
فضلاً عن ذلك تشهد دول الخليج معارض كتاب دولية تستقطب آلاف الزوار، إلى جانب مبادرات الأندية القرائية والأنشطة الثقافية التي تُقام في الجامعات والمؤسسات التعليمية.
لكنّ هذه الجهود، وإن بدت فاعلة؛ لكنها أيضاً ما تزال تعاني من محدودية الأثر في ظل هيمنة الشاشات والإيقاع الرقمي السريع الذي يأسر انتباه الشباب ويبعدهم عن القراءة الطوعية.
خطر ثقافي صامت
الكثير من الكتّاب والمثقفين في الخليج دقّوا ناقوس الخطر، محذرين من أن تراجع القراءة لا يهدد فقط الثقافة العامة، بل ينعكس أيضاً على مستوى التفكير النقدي والوعي الجمعي.
ويبقى الرهان على الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في خلق بيئة تعيد للكتاب مكانته، وتزرع في الأجيال الجديدة شغف المعرفة، بحسب ما يقول المختصين، مؤكدين أن القراءة لم تعد ترفاً أو هواية نخبوية، بل ضرورة لبناء مجتمع قادر على التفكير والإبداع وصناعة مستقبله.
وفي تقارير ومقالات نشرتها وسائل الإعلام الخليجية، حذّر عدد من الأكاديميين والخبراء من أن تراجع عادة القراءة في المجتمعات الخليجية بات ظاهرة مقلقة.
ووفق ما جاء في صحيفة “عكاظ” السعودية، شدد مختصون على ضرورة إيلاء الاهتمام بتطوير المكتبات، وفي هذا الشأن أوضح الدكتور عبد الرحمن العاصم أن تأخر المكتبات العامة في التطور مردّه ضعف البنية التحتية والتقنيات الحديثة، باستثناء المكتبات الجامعية.
فيما أكدت الدكتورة فوزية غزاوي أن غياب مكتبات حديثة يحرم المجتمع من فرص التعلم، داعية لتطويرها وإدخال وسائل تقنية متقدمة مثل الواقع الافتراضي والطباعة ثلاثية الأبعاد.
من جانبه، رأى الدكتور حاتم خيمي أن تراجع القراءة بين الشباب مرتبط بغياب مكتبات جاذبة ومحفّزة، مطالباً رجال الأعمال بدعم إنشاء مكتبات متطورة.
وذهب سعود المقاطي إلى أن عزوف الشباب عن القراءة انعكاس مباشر لغياب هذه المرافق الحيوية التي تحفظ التراث وتنمّي الوعي الثقافي.
في السياق ذاته، اعتبرت الكاتبة نادية النجار أن الأجيال الجديدة تعاني من تشتت الانتباه بفعل الأجهزة الذكية، لكنها شدّدت على إمكانية تحويل هذه الأدوات إلى وسائل لتعزيز، وفق صحيفة “الخليج” الإماراتية.
ورأت النجار ضرورة اهتمام الأسرة بلفت انظار أطفالها إلى المطالعة، مؤكدة على أهمية أن تكون الأسرة قدوة للأبناء وتوفّر لهم مكتبة منزلية مشجّعة.
أما المستشار التربوي فتحي لطفي، فقد أكّد لصحيفة “الشرق” القطرية أن القراءة رحلة تثري عقل الطفل، مشدداً على أهمية دور الأسرة في غرس هذه العادة مبكراً، مع الاستفادة من التطبيقات التفاعلية لتحفيز الأطفال على القراءة.
في السياق نفسه، نبّه الدكتور ناصر نجف حسن من جامعة الكويت إلى ما وصفه بـ”الإحصاءات الصادمة” حول عزوف الشباب عن المطالعة، وفق ما ذكرت جريدة تعليم الإلكترونية.
ودعا نجف لإدراج حصص قراءة منتظمة في المدارس وتطوير المحتوى الرقمي بما يتماشى مع اهتمامات الجيل الجديد.
من جهته، دعا الكاتب العُماني سالم البادي في صحيفة “الرؤية” إلى إحياء ثقافة القراءة التي غابت تحت وطأة وسائل التواصل.
وأكد البادي في مقال حمل عنوان “إقرأوا لتعيشوا وتسعدوا”، أن القراءة الواعية أساس بناء الوعي والمعرفة، وهي السبيل لمحاربة الجهل ونشر الثقافة.
في المحصّلة، أجمع المختصون على أن إنقاذ عادة القراءة يحتاج إلى تظافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع، إلى جانب تحديث المكتبات العامة لتواكب العصر الرقمي وتعيد للكتاب مكانته كجسر للمعرفة والتقدّم.
بين التقنية وغياب القدوة
يمكن من خلال ما أورده المتخصصون في تقارير ومقالات صحفية خليجية، يعود تراجع المطالعة في المجتمع الخليجي إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة التي باتت تشكّل عائقاً حقيقياً أمام انتشار ثقافة القراءة الحرة، وتشمل:
-
اجتياح الثورة الرقمية لحياة الشباب، حيث أصبح الهاتف الذكي هو النافذة الأولى التي يطلّون منها على العالم.
-
تدفّق المحتوى المصوّر والمختصر عبر التطبيقات والمنصات، مما قلّل من جاذبية الكتاب الورقي الذي يتطلب وقتاً وتركيزًا أكبر.
-
عدم وجود اهتمام حقيقي بالقراءة داخل الكثير من الأسر الخليجية، حيث لا يرى الأبناء في المنزل نموذجاً يحتفي بالكتاب أو يخصص له مكاناً.
-
ارتباط مفهوم القراءة في أذهان الشباب بالواجبات المدرسية والتلقين، بدلاً من كونها مصدراً للمتعة والاكتشاف.
-
انشغال الشباب بالمظاهر الاستهلاكية وسرعة الإيقاع اليومي، مما يجعل الترفيه اللحظي وتصفّح المحتوى الرقمي يتقدمان على أي نشاط ثقافي آخر.